فخر الدين الرازي

279

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الشاهد هو الذي يبين صدق الدعوى الخامس : فَاشْهَدُوا أي فاستيقنوا ما قررته عليكم من هذا الميثاق ، وكونوا فيه كالمشاهد للشيء المعاين له السادس : إذا قلنا إن أخذ الميثاق كان من الأمم فقوله فَاشْهَدُوا خطاب للأنبياء عليهم السلام بأن يكونوا شاهدين عليهم . وأما قوله تعالى : وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ فهو للتأكيد وتقوية الإلزام ، وفيه فائدة أخرى وهي أنه تعالى وإن أشهد غيره ، فليس محتاجاً إلى ذلك الإشهاد ، لأنه تعالى لا يخفي عليه خافية لكن / لضرب من المصلحة لأنه سبحانه وتعالى يعلم السر وأخفى ، ثم إنه تعالى ضم إليه تأكيداً آخر فقال : فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ يعني من أعرض عن الإيمان بهذا الرسول وبنصرته بعد ما تقدم من هذه الدلائل كان من الفاسقين ووعيد الفاسق معلوم ، وقوله فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ هذا شرط ، والفعل الماضي ينقلب مستقبلًا في الشرط والجزاء ، واللّه أعلم . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 83 ] أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ( 83 ) اعلم أنه تعالى لما بيّن في الآية الأولى أن الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام شرع شرعه اللّه وأوجبه على جميع من مضى من الأنبياء والأمم ، لزم أن كل من كره ذلك فإنه يكون طالباً ديناً غير دين اللّه ، فلهذا قال بعده أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ حفص عن عاصم يَبْغُونَ و يُرْجَعُونَ بالياء المنقطة من تحتها ، لوجهين أحدهما : رداً لهذا إلى قوله وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [ آل عمران : 82 ] والثاني : أنه تعالى إنما ذكر حكاية أخذ الميثاق حتى يبين أن اليهود والنصارى يلزمهم الإيمان بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، فلما أصروا على كفرهم قال على جهة الاستنكار أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وقرأ أبو عمرو تبغون بالتاء خطابا لليهود وغيرهم من الكافر و يُرْجَعُونَ بالياء ليرجع إلى جميع المكلفين المذكورين في قوله وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وقرأ الباقون فيهما بالتاء على الخطاب ، لأن ما قبله خطاب كقوله أَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ [ آل عمران : 81 ] وأيضاً فلا يبعد أن يقال للمسلم والكفار ولكل أحد : أفغير دين اللّه تبغون مع علمكم بأنه أسلم له من في السماوات والأرض ، وأن مرجعكم إليه وهو كقوله وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ [ آل عمران : 101 ] . المسألة الثانية : الهمزة للاستفهام والمراد استنكار أن يفعلوا ذلك أو تقرير أنهم يفعلونه ، وموضع الهمزة هو لفظة يَبْغُونَ تقديره : أيبغون غير دين اللّه ؟ لأن الاستفهام إنما يكون عن الأفعال والحوادث ، إلا أنه تعالى قدم المفعول الذي هو فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ على فعله ، لأنه أهم من حيث أن الإنكار الذي هو معنى الهمزة متوجه إلى المعبود الباطل وأما الفاء فلعطف جملة على جملة وفيه وجهان أحدهما : التقدير : فأولئك هم الفاسقون ، فغير دين اللّه يبغون . واعلم أنه لو قيل أو غير دين اللّه يبغون جاز إلا أن في الفاء فائدة زائدة كأنه قيل : أفبعد أخذ هذا الميثاق المؤكد بهذه التأكيدات البليغة تبغون ؟ . المسألة الثالثة : روي أن فريقين من أهل الكتاب اختصموا إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم فيما اختلفوا فيه من دين إبراهيم